أحمد بن محمد القسطلاني
46
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
تقدم الإمام على المأموم في الموقف ، فإن تقدم بطلت صلاته ، وتكره مساواته كما في المجموع ، إلا إن ضاق المكان ، أو لم يكن إلا مأموم واحد ، وكذا لو كانوا عراة . ويقف بمكة خلف الإمام وليستديروا ، ولو قربوا إلى الكعبة إلا في جهته . ( فكان أبو بكر ) قائمًا ( يصلّي بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وهو قاعد ( والناس ) قائمون ( يصلون بصلاة أبي بكر ) كالمبلغ لهم ، وسقط لفظ يصلون في رواية أبي ذر . وفي الحديث صحة قدوة القائم بالقاعد ، والمضطجع والقاعد بالمضطجع ، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلّى في مرض موته قاعدًا وأبو بكر والناس قيامًا ، فهو ناسخ في الصحيحين وغيرها ، إنما جعل الإمام ليؤتم به ، من قوله : وإذا صلّى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين ، وقيس المضطجع على القاعد ، فقدوة القاعد به من باب أولى . وفي حديث الباب ، التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم في الصلاة . 48 - باب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلاَتُهُ . فِيهِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( باب من دخل ) المحراب مثلاً ( ليؤمّ الناس ) نائبًا عن الإمام الراتب ، ( فجاء الإمام ) الأوّل الراتب ( فتأخر الأوّل ) الذي أراد أن ينوب عن الراتب ، فهو أول بالنسبة لهذه الصلاة ، وذاك أوّل لكونه راتبًا ، فالقرينة صارفة العينية إلى الغيرية على ما لا يخفى ، وللأصيلي في نسخة : فتأخر الآخر ( أو لم يتأخر جازت صلاته ) . أي في التأخر وعدمه ما روته ( عائشة ) رضي الله عنها ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فالأول ، ما رواه عنها عروة في الباب السابق ، ولفظه : فلما رآه استأخر ، والثاني ، ما رواه عبيد الله عنها في باب حدّ المريض ، ولفظه : فأراد أن يتأخر . 684 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ، فَحَانَتِ الصَّلاَةُ ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلاَةِ ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ ، فَصَفَّقَ النَّاسُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ . فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ ؟ مَنْ رَابَهُ شَىْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ " . [ الحديث 684 - أطرافه في : 1291 ، 1204 ، 1218 ، 1234 ، 2690 ، 2693 ، 7190 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن أبي حازم بن دينار ) بالحاء المهملة والزاي ، واسمه سلمة ( عن سهل بن سعد ) بسكون الهاء والعين ( الساعدي ) الأنصاري ، رضي الله عنه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذهب ) في أناس من أصحابه بعد أن صلّى الظهر ( إلى بني عمرو بن عوف ) بفتح العين فيهما ، ابن مالك من الأوس ، والأوس أحد قبيلتي الأنصار ، وكانت منازلهم بقباء ( ليصلح بينهم ) ، لأنهم اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، ( فحانت الصلاة ) أي صلاة العصر ( فجاء المؤذن ) بلال ( إلى أبي بكر ) بأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حيث قال له كما عند الطبراني ، إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصلّ بالناس ، ( فقال ) له ( أتصلي للناس ) باللام ، وللأصيلي : بالناس في أوّل الوقت ، أو تننتظر قليلاً ليأتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فرجع عند أبي بكر المبادرة لأنها فضيلة متحققة فلا تترك لفضيلة متوهمة . ( فأقيم ) . بالرفع ، خبر مبتدأ محذوف ، أي : فأنا أقيم ، أو بالنصب جواب الاستفهام . ( قال : ) أبو بكر رضي الله عنه . ( نعم ) أقم الصلاة إن شئت ، ( فصلّى أبو بكر ) أي : دخل في الصلاة ( فجاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والناس ) دخلوا مع أبي بكر ( في الصلاة ) جملة حالية ، ( فتخلص ) من شق الصفوف ( حتى وقف في الصف ) الأوّل ، وهو جائز للإمام ، مكروه لغيره . وفي رواية مسلم فخرق الصفوف حتى قام عند الصف ، وفي رواية عبد العزيز : يمشي في الصفوف : ( فصفق الناس ) أي ضرب كل يده بالأخرى حتى سمع لها صوت ، لكن في رواية عبد العزيز : فأخذ الناس في التصفيح ، بالحاء المهملة . قال سهل : أتدرون ما التصفيح ؟ هو التصفيق ، وهو يدل على ترادفهما عنده . ( وكان أبو بكر ) رضي الله عنه ( لا يلتفت في صلاته ) لأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل ، رواه ابن خزيمة : ( فلما أكثر الناس التصفيق التفت ) رضي الله عنه ( فرأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأشار إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أن امكث مكانك ) أي أشار إليه بالمكث ( فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه ) بالتثنية ( فحمد الله ) تعالى بلسانه ( على ما أمره به ) ولأبي ذر في نسخة وأبي الوقت : على ما أمر به ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك ) أي من الوجاهة في الدين ، وليس في رواية الحميدي عن سفيان حيث قال : فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرًا لله تعالى ، ما يمنع ظاهر قوله :